الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

205

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الموضوعات والتكاليف ، فيكون هذا العامل على طبق اليقين الأول غير عارف بالترجيح الثابت واقعا في اليقين الثاني ، وقد يكون غيره أحرز أرجحية اليقين الثاني فمشى عليه وبقي هذا على خفاه عن ذلك . وبهذا يحصل الاختلاف في درك الواقعيات والأحكام عند العلماء فتراهم مختلفين في الرأي والفتوى ، وليس هذا إلا لعدم كونهم معصومين ، بل ربما وصل إليه اليقين الراجح الثاني . ومع ذلك يبقى على المرجوح لأنسه به ، أو لقاعدة ثابتة عنده اقتضت الخلود على المرجوح مع ثبوت الراجح كما يتراءى ذلك من علماء السنة . فإنهم ربما ظهر لهم حقيقة الولاية وحقّانيّة وصاية أمير المؤمنين عليه السّلام ومع ذلك لأنسهم بعادتهم الثابتة لهم في زمان الجهل قد خلدوا عليها ، ولم يمضوا على حسب الاستبصار الثابت لهم باليقين الثاني . أو إنك تراهم يعلمون بأفضلية أمير المؤمنين في جميع الأمور مطلقا ، ومع ذلك لقاعدة حفظ المسلمين الثابت في نظرهم لا يظهرون الحقّ مخافة تلك الشبهة الواهية ، كما لا يخفى . ثم : تلك القاعدة ربما تكون بنحو لو تأمل فيها لظهر فسادها ، ولكن تغفل عن التأمل فيه فيمشي على مقتضاها ، وإن كان على خلاف ما يقتضيه اليقين الثاني فتبلى بفسادها فردا أو جامعة كما لا يخفى . وربما يظهر له اليقين الثاني الأرجح ومع ذلك يمشي على طبق اليقين الأول المنحلّ ، وذلك إما لغرض دنيوي قد أخذ قلبه ، فيصرف فكره إلى تلفيق مرجحات البقاء على طبق يقين الأول وهذا حاله كحال من يعلم ومن لا يعلم . فمن حيث اليقين الأرجح الثابت في حاق قلبه وعقله فهو يعلم بحقية اليقين الثاني ، ومن حيث إسارة نفسه بالمرجحات المتلفقة فيمشي على طبقها فهو لا يعلم أي نظرا إليها لا يعلم بل يرى نفسه في الضلالة . ولعله إليها يشير قوله تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما